محمد بن الطيب الباقلاني
25
إعجاز القرآن
لكان ذلك بالغا ( 1 ) في إيجاب الحجة [ عليه ] ، وتماما في إلزامه فرض المصير إليه . ومما يؤكد هذا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الاسلام ، محتجا عليهم بالقرآن ، لأنا نعلم [ ضرورة ] أنه لم يلزمهم تصديقه تقليدا ، ونعلم أن السابقين الأولين إلى الاسلام لم يقلدوه ، إنما دخلوا على بصيرة . ولم نعلمه قال لهم : ارجعوا إلى جميع الفصحاء ، فإن عجزوا عن الاتيان بمثله فقد ثبت حجتي . بل لما رآهم يعلمون إعجازه ، ألزمهم حكمه فقبلوه ، وتابعوا الحق ، وبادروا إليه مستسلمين ، ولم يشكوا في صدقه ، ولم يرتابوا في وجه دلالته . فمن كانت بصيرته أقوى ، ومعرفته أبلغ ، كان إلى القبول منه / أسبق . ومن اشتبه عليه وجه الاعجاز ، أو خفى ( 2 ) عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات - كان أبطأ إلى القبول ، حتى تكاملت أسبابه ، واجتمعت له بصيرته وترادفت عليه مواده . وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه [ من ] بعد ، فليس هذا بموضع له . ويبين ما قلناه : أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له ، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه ، ومعرفة وجه دلالته ، لان الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه . وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة . فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم ، وجرى مجراهم في ( 3 ) توجه الحجة عليه . وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان ، من هذا الشأن ، ما يعرفه العالي في هذه الصنعة . فربما حل في ذلك محل الأعجمي ، في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه . وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده ، أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما - [ من ] غور هذا الشأن - ما يعرف من استكمل معرفة
--> ( 1 ) س : " بلاغا " . ( 2 ) س : " واشتبه " . ( 3 ) ا : " من " .